ابن تيمية
48
مجموعة الرسائل والمسائل
الذاتي ، ليعلم المتجلى له أنه ما رآه ، وما ثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلي من هذا ، وأجهد في نفسك عندما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبداً البتة ، حتى أن بعض من أدرك مثل هذا في صور المرئي ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة ، هذا أعظم ما قدر عليه من العلم ، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه . وقد بينا هذا في الفتوحات المكية ، وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق ، فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى أعلا من هذا الدرج فما هو ثم أصلاً وما بعده إلا العدم المحض ، فهو مرآتك في رؤيتك نفسك ، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها ، وليست سوى عينه فاختلط الأمر وانبهم ، فمنا من جهل في علمه فقال والعجز عن درك الإدراك إدراك ( 1 ) ومنا من علم فلم يقل مثل هذا القول وهو أعلا القول ، بل أعطاه العلم السكوت ما أعطاه العجز ، وهذا هو أعلا عالم بالله . وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا منن مشكاة الرسول الخاتم ، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم ، حتى أن الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ، فإن الرسالة والنبوة - أعني نبوة التشريع ورسالته - ينقطعان ، والولاية لا تنقطع أبداً . والمرسلون من حيث كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ، فكيف من دونهم من الأولياء ، وإن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع ، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه ، فإنه من وجه يكون أنزل ، كما أنه من وجه يكون أعلا . وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أساري بدر بالحكم فيهم ، وفي
--> ( 1 ) هذا القول منسوب إلى الصديق الأكبر أبي بكر ( رض ) وابن عربي يفضل نفسه عليه في العلم بالله كما ترى بعده ويدعي أنه مساو لرسول الله صلى الله عليه وسلم بل يفضل نفسه عليه من بعض الجهات